كتب مركز التقدم للسياسات أن زيارة وزير دفاع السيسي إلى العاصمة التركية تمثل تحولًا نوعيًا في مسار العلاقات بين القاهرة وأنقرة، رغم استمرار الخلافات بين البلدين بشأن عدد من الملفات، بينها ليبيا وملف الطاقة في شرق البحر المتوسط والتنافس على النفوذ في القارة الأفريقية.
وأشار المركز إلى أن تسريبات من مصادر تركية تفيد بأن الزيارة قد تؤسس لشراكة أمنية تتجاوز مجرد إدارة الخلافات السابقة، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
وذكر مركز التقدم للسياسات – لندن أن الفترة الأخيرة شهدت سلسلة من التحركات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة بين حكومة السيسي وتركيا، كان أبرزها زيارة وزير الدفاع السيسي الفريق أول أشرف سالم زاهر إلى أنقرة في 13 يوليو 2026، في أول زيارة له منذ توليه منصبه، وكذلك أول زيارة لوزير دفاع مصري إلى تركيا منذ عام 2013، حيث استقبله نظيره التركي يشار غولر بمراسم رسمية، وشهد اللقاء توقيع "خطاب نوايا" للتعاون الدفاعي بين البلدين.
تعاون عسكري جديد بعد أكثر من عقد من التوتر
أوضح المركز أن التقارب العسكري بين القاهرة وأنقرة تجاوز الإطار البروتوكولي أو الرمزي، ليعكس تحولًا استراتيجيًا تدفعه قناعة مشتركة بأن تكلفة استمرار التنافس الإقليمي باتت أكبر من مكاسبه، خصوصًا مع تعقد البيئة الأمنية وتراجع الانخراط الدولي المباشر في عدد من الملفات.
وأشار التقرير إلى أن التعاون الحالي لا يمثل تحالفًا دفاعيًا تقليديًا، إذ لا يوجد اتفاق دفاع مشترك أو مركز عمليات دائم بين البلدين، لكنه وصف العلاقة بأنها "شراكة دفاعية متطورة" أو "تعاون تنافسي براجماتي"، يقوم على تنسيق تكتيكي واستراتيجي يهدف إلى إعادة تشكيل توازنات القوى في المنطقة الممتدة من شرق البحر المتوسط إلى البحر الأحمر.
ولفت المركز إلى أن التدريبات الجوية المشتركة "نسر الأناضول 2026" شكلت محطة بارزة في مسار التقارب العسكري، إذ شاركت فيها القوات الجوية المصرية والتركية والأذربيجانية، بحضور طائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي، وشملت تنفيذ طلعات مشتركة وأنشطة عسكرية متقدمة داخل قواعد تركية.
كما عقدت اللجنة العسكرية المشتركة اجتماعها الخامس في القاهرة خلال الفترة من 25 إلى 27 يونيو 2026، بحضور رئيسي أركان البلدين، وأسفر الاجتماع عن توقيع محضر يتضمن "خارطة طريق" لتعزيز التعاون العسكري وتبادل الخبرات، إلى جانب إجراء تدريبات جوية مشتركة داخل الأراضي المصرية خلال يونيو الماضي تضمنت توحيد المفاهيم القتالية وتنظيم محاضرات نظرية.
مصالح مشتركة تدفع التقارب بين القاهرة وأنقرة
رأى التقرير أن الشراكة الناشئة بين مصر وتركيا تستند إلى مجموعة من الأهداف الاستراتيجية المتداخلة، أبرزها تعزيز الاستقرار الإقليمي، وبناء قدرات ردع مشتركة بعيدًا عن الاستقطاب، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود مثل الإرهاب وعدم الاستقرار في ليبيا وسوريا، إضافة إلى حماية أمن الملاحة البحرية.
وأشار إلى أن التعاون بين البلدين يتحرك عبر ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل البعد الجيوسياسي في شرق البحر المتوسط، حيث يسعى الطرفان إلى مواجهة خطط أحادية مرتبطة بترسيم الحدود البحرية واستغلال موارد الغاز، والبعد العملياتي الذي يظهر في رفع الكفاءة القتالية عبر التدريبات المشتركة، إلى جانب البعد المؤسسي والصناعي الذي قد يفتح المجال أمام تعاون طويل الأمد في مجالات التكنولوجيا والصناعات الدفاعية.
وأضاف المركز أن التقارب المصري التركي يمتد تأثيره إلى ملفات إقليمية عدة، إذ يسعى الطرفان في ليبيا إلى منع عودة التصعيد ودعم الاستقرار، بينما يركز التنسيق في سوريا على ملفات مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار. كما يشكل الملف الفلسطيني وقطاع غزة محورًا للتنسيق السياسي، إلى جانب التعاون الأمني في البحر الأحمر لمواجهة تهديدات الحوثيين وغيرها.
وأكد التقرير أن انعكاسات التقارب لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي، إذ يمكن أن يسهم الاستقرار السياسي والأمني في زيادة التبادل التجاري وتعزيز الاستثمارات التركية في مصر، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والصناعات الدفاعية، بما يعزز الاعتماد المتبادل بين البلدين.
آفاق توسع الشراكة الدفاعية وتحديات بناء الثقة
توقع مركز التقدم للسياسات أن تشهد العلاقات المصرية التركية تطورات ملموسة خلال الفترة المقبلة، مع احتمال استئناف مناورات بحرية مشتركة مثل "صداقة البحر" بعد توقف دام 13 عامًا، وتوسيع نطاق التدريبات الجوية لتشمل سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
وأشار إلى أن توقيع "خطاب النوايا" و"خارطة الطريق" قد يمهدان لمرحلة جديدة من التعاون في الصناعات الدفاعية، وربما مشاركة مصر في برامج عسكرية تركية متقدمة، بينها مشروع الطائرة المقاتلة "كا آن".
وأوضح التقرير أن التنسيق المصري التركي قد يتحول إقليميًا إلى آلية فعالة لإدارة الأزمات في ليبيا وسوريا والبحر الأحمر، وربما يشكل نواة لمحور إقليمي أوسع يضم السعودية وباكستان بهدف مواجهة التحديات المشتركة وتعزيز الاستقرار بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الأجندات الدولية.
وأضاف أن التطور الدفاعي المتسارع بين القاهرة وأنقرة يمثل عامل ردع مهمًا في المنطقة، إذ إن دمج القدرات العسكرية المصرية والتركية، خاصة في مجالات الطيران والبحر والاستخبارات، قد يغير حسابات القوى الإقليمية ويعيد تشكيل موازين القوة في شرق المتوسط.
ورغم حالة التفاؤل الحذر بشأن مستقبل العلاقات، أكد التقرير أن بناء الثقة العميقة بين البلدين يحتاج إلى وقت وجهود مستمرة لتجاوز إرث سنوات طويلة من التوتر، وضمان استمرار مسار التقارب أمام أي تغيرات سياسية مستقبلية.
واختتم المركز تحليله بالتأكيد على أن التقارب المصري التركي يعكس تحولًا استراتيجيًا براجماتيًا يخدم مصالح الطرفين، ويساعد في بناء بيئة إقليمية أكثر توازنًا، مشددًا على أهمية تعزيز التعاون الأمني وحماية الحدود، إلى جانب استثمار الفرص الاقتصادية والصناعية التي قد تنتج عن هذا التقارب.
كما أشار إلى أن استمرار العلاقات يتطلب إنشاء مؤسسات وآليات دائمة لترسيخ الثقة، خاصة أن المصالح المشتركة أصبحت أقوى من الخلافات التاريخية، لكنها تحتاج إلى خطوات عملية تضمن استدامة الشراكة بين البلدين.
https://www.arabprogress.org/en/egyptian-defense-minister-in-ankara-how-far-has-the-turkey-egypt-reconciliation-progressed/

